البرمجة في زمن الذكاء الصناعي

عدنان الأسمر

بين أداة خارقة وخطر خفي

لم تعد البرمجة اليوم كما كانت قبل سنوات قليلة.

الذكاء الاصطناعي دخل بقوة إلى عالم التطوير، وغيّر طريقة كتابة الكود، وتعلّم اللغات، وحلّ المشكلات.

بالنسبة للبعض، هو أعظم اختراع في تاريخ البرمجة.

وبالنسبة لآخرين، هو بداية نهاية المبرمج.

الحقيقة، كعادتها، في المنتصف.

الذكاء الاصطناعي ليس خيرًا مطلقًا، ولا شرًا مطلقًا.

هو أداة… وتأثيره يعتمد بالكامل على من يستخدمه، وكيف.


فوائد البرمجة في عصر الذكاء الاصطناعي

1. تسريع الإنتاجية بشكل غير مسبوق

أكبر فائدة واضحة هي السرعة.

المبرمج اليوم يستطيع:

  • توليد هياكل مشاريع كاملة خلال دقائق

  • كتابة كود مبدئي (Boilerplate) فورًا

  • حل أخطاء شائعة بدون ساعات بحث طويلة

الذكاء الاصطناعي لا يبرمج بدل الإنسان،

بل يزيل الأعمال المتكررة والمملة،

ويترك للمبرمج التفكير في الجوهر.


2. خفض عتبة الدخول للمبتدئين

سابقًا، كان الدخول إلى عالم البرمجة مخيفًا:

  • أخطاء غامضة

  • توثيق معقّد

  • شعور دائم بالضياع

اليوم، يستطيع المبتدئ أن:

  • يسأل بلغته

  • يفهم سبب الخطأ

  • يرى أمثلة مبسطة

هذا جعل البرمجة أكثر إتاحة،

وأقرب للفهم البشري.


3. دعم التعلّم والفهم (عند الاستخدام الصحيح)

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون:

  • معلّمًا

  • مساعد شرح

  • شريك تفكير

عندما يُستخدم للسؤال:

لماذا هذا الحل أفضل؟

ما البديل؟

ما العيوب؟

فهو يعمّق الفهم،

ولا يلغيه.


4. تمكين المبرمج الفردي

مطور واحد اليوم، مدعوم بالذكاء الاصطناعي،

يمكنه إنجاز ما كان يحتاج فريقًا كاملًا سابقًا.

هذا خلق فرصًا جديدة:

  • لمشاريع مستقلة

  • لشركات صغيرة

  • لأفكار لم تكن ممكنة تقنيًا قبل سنوات


أضرار البرمجة في عصر الذكاء الاصطناعي

1. تآكل التفكير البرمجي

هذا أخطر ضرر حقيقي.

عندما يعتمد المبرمج على:

  • النسخ واللصق

  • الحل الجاهز

  • الكود الذي “يعمل” دون فهم

يبدأ التفكير البرمجي بالضعف.

المشكلة ليست أن الكود مكتوب بالذكاء الاصطناعي،

بل أن صاحبه لا يعرف لماذا يعمل.


2. وهم الكفاءة

كثير من المبرمجين اليوم:

  • يبدون سريعين

  • ينتجون كودًا كثيرًا

  • ينجزون مهام بسرعة

لكن عند أول مشكلة حقيقية:

  • مشروع كبير

  • كود معقّد

  • سلوك غير متوقّع

ينهار كل شيء،

لأن الأساس ضعيف.


3. كود يبدو جيدًا… لكنه خطير

الذكاء الاصطناعي قد يولّد:

  • كود غير آمن

  • حلول غير مثالية

  • تعقيدًا غير ضروري

والمشكلة أن هذا الكود:

  • منسّق

  • مقنع

  • يبدو “احترافيًا”

وهذا يجعله أخطر من الكود السيئ الواضح.


4. تراجع مهارات القراءة والتحليل

البرمجة ليست كتابة فقط.

هي قراءة، فهم، تحليل، وتتبع قرارات قديمة.

الاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي يقلل من:

  • الصبر

  • التحليل العميق

  • القدرة على فهم كود لم نكتبه نحن


متى يكون الذكاء الاصطناعي سلاحًا رائعًا؟

يكون أداة قوية عندما:

  • تستخدمه لتسريع العمل، لا لاستبدال التفكير

  • تفهم المشكلة قبل أن تطلب الحل

  • تراجع ما يولّده بعين ناقدة

  • تسأله “لماذا” قبل “كيف”

باختصار:

عندما يكون مساعدًا… لا قائدًا.


ومتى يقتل صاحبه كمبرمج؟

يصبح خطرًا عندما:

  • تعتمد عليه في كل قرار

  • تتوقف عن التعلّم الحقيقي

  • تقيس نفسك بعدد الأسطر لا بعمق الفهم

  • تخلط بين “الكود يعمل” و “الحل صحيح”

هنا لا يقتل الذكاء الاصطناعي البرمجة،

بل يكشف ضعفها.


الخلاصة

البرمجة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تمت.

بل تغيّرت.

القيمة لم تعد في:

  • معرفة اللغة

  • حفظ الصياغة

  • سرعة الكتابة

القيمة اليوم في:

  • التفكير

  • التحليل

  • فهم المشكلة

  • اتخاذ القرار الصحيح

الذكاء الاصطناعي سيجعل:

  • المبرمج الجيد أقوى

  • والمبرمج السطحي أضعف

والفرق بين الاثنين

لم يعد مخفيًا كما كان سابقًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *